الأربعاء، 11 ديسمبر 2019

بقلم الاستاد / أحمد ابويبس:09/12/2019

طَـــالَــبْ مْــعَــاشُــــــــــو

هذه المرة كنت مصمما أن لا أرضخ لطيشه  مهما بلغ بي الحال ،هكذا عزمت وأنا أدفع خطاي لمحل بيع الإسمنت بعدما خرجت فارّا من زنَّة إصلاح
عطب السقف المشقوق ، حيث قطرات الماء أفسدت طلاء الصالة ،تلك الواجهة التي هي كل شيء في المنزل . خرجت ونرفزة تسكنني  ، لأني أعرف ملاحقات هذه العملية التي لا أتحملها بتاتا، فلك أن تتصور الأثاث كله مجموع في ركن ومُغطى بالأيْزُر والتَّلامِط ،أَضِفْ أشغال البنائين والصباغين والهدم والإسمنت والرمل، وووووو...
    الوقت شتاء عندما استقبلني بضحكة مغشوشة مقتضبة تخبئ شيئا ما ، نشَّشته من أمامي وكأنه ذبابة، حركة حرقت كل ما كنت  أحث عليه من ممارسات تربوية في هكذا مواقف ، دمدمْتُ بعدها بصوت هامس(والله مَا تْهَزْ الخَنْشَه انْتَ) .......الشخص هذا هو (زيزون) أعرفه حق المعرفة ، كل ما وصفته الكتب المختصة عن الأباكم وجدته فيه: ـ  مزاجي، عنيف ، أناني، وووو.... هذه المرة كان بكروسة سلَّامْ ولد عِيّادة ... تحاشيته رغم ترحيبه الذي بدا خجولا ، ولما لم أجد من أبحث عنه ، هممت عند صاحب المحل أسأله...
 (رحمة الله عليه) كلمات ضربت في اللب أول الأمر متلاشية ثم ردَعتْ بقوة لتشكل أمواجا متلاطمة كأنها ردَّاتُ صياح من أعلى جبل في غابة..... هكذا رد باقتضاب وصوته به حشرجة . التقطتْه أذناي ثقيلا ومتقطعا ، وكأن عطبا حل بطبل المسمع . كيف حصل هذا؟ هو ذا السؤال الذي شق  أعتاب نفسيتي ،فدمر ابتسامة اللحظة.......
     قبل شهر، وفي نفس المحل ، استقبلني سلام بابتسامة كثيفة غطت مساحة محياه المشقوق بالتجاعيد،كان يرفرف مرحا وسعادة يجعلانك تستجيب في ثواني لإرادته، خدان  انبسطت عليهما سمرة ،هي خليط من غبار مبلل بالعرق ، ومع ذلك فطلعته هاته محبوبة ثوحي لك وكأنها أحبّتِ الحب أكثر من المُحبِّين وعَشِقَتِ العشق أكثر من العاشقين، ضحكته هاته ذات غموض، تلفها طيبة ، تدفعك للبحث عن أسرارها ،رنينها جعل قلق اللحظة يتوارى بعيدا ، بل رمى بأروقة العقل لتتفتح على تساؤلات تسنو هنا وهناك ، تقلب وتشقلب عن سر ها ....كيف له هذه الضحكة ؟ ولماذا هو وليس غيره؟ رغم، ورغم ، ورغم........ راودتني هذه الرغمات بكل ضغطها ،فنبشت لدي  فضولا زائدا  أسقطني في واد من التفسيرات والتبريرات لأقنع نفسي بجواب ما، حتى أني استعنت  بتفسير ل:كاستيجليون أحد الفلاسفة الإنسانيين: «إننا في كلّ مرّة نضحك فيها نقدّم الدليل على أنّنا نسخر من شخص أو من حال معيّن متهكمين وهازئين بالرذائل».......لكن هيهات .... فأين سلام وكاستيجليون هذا؟؟؟ ...........
    ذاكرتي  الخربانة كانت بعيدة عن التعرف عليه رغم أن وجهه أوحي لي بشيء ما ، رآني وصدمة غزت أسرار وجدانه ،أظهرها علنا عندما حمل حجرتين وبدأ يعزف بهما رقصة الهيت على حديد العربة ،استعان في معزوفته هاته بفمه إذ أخذ  يُؤَهْـئِـهُ:ــ   أه أه أه أه ......بعدها انفرجت من فمه الغائر ضحكة عارمة ، ظهر خلالها نابه الوحيد من قعر مغرف قرمزي اللون والذي بدا كغروب شمس ، وبنفس الإيقاع ، وباليدين فقط،أخذ يخبط هذه المرة على الصدر مرددا : ـ (أهلا ياولد الحاج،أهلا ياود الحاج .........)  
   حقيقة غاب عني شخصه، فالذاكرة وهنت وأضحت في حاجة ماسة لمن ينحث أثاتها......لكنْ شيئا فشيئا ،غشاوة الضباب هاته انزاحت:ــ إنه سلام ،جزاز الأغنام،هكذا انبسطت على المخيال صورته القديمة بجلبابه الصوفي الأسود القصير، والذي انغرزت فيه ثقب انسلت منها خيوط طائشة ، استعدته وهو يشتغل بمقصه في جز غنمنا ،ذاك الذي كان يستعمله أيضا كآلة إيقاع مع فرقة الهيت التي كانت تنشط في دوارنا   ....
   مسك بكلتي يديه مقبض العربة وجاء مهرولا يدفعها...إحدى عجلاتها كانت غير منفوخة، وأرضيتها كانت مهترئة ومؤثتة بأسلاك مربوطة فيما بينها ، تعلوها كرطونة سميكة ..أراد أن يقلع كيس الإسمنت من الأرض ليحطها في العربة، فإذا هو أمام الكروسة يحتج بأصوات متأتأة متطايرة يتخللها صائت واحد وهو الفتحة بّا.... بّا.... تّا تّا....آ آ آ..... هكذا أخذ يصرخ معترضا سبيل العربة ،إنه زيزون ، لقد صار شابا.......اللحظة هاته تسربلت أمامي أمواج ذكريات، وتلاحقت فيما بينها كشريط سينمائي موزع في لقطات غير مرتبة،نعم هو الذي كان يرتاد المدرسة التي كنت أشتغل بها في البادية ،وهو الذي كان يستل لمرات إلى المطعم  ليدفع هذا ، ويأخذ حصة ذاك، ويضرب تلك، ويدفع أخرى ووو... كم مرة اعترض سبيل جَمْعة الطباخة وهي تحمل طنجرة القطاني أو علب السردين،وكم مرة اشتكى منه الأطفال وهو يبصق على حصصهم حتى يَعافُوها ليستفرد بها لوحده ،وكنت والأساتذة  دوما نغض  الطرف ، لأننا كنا نعرف تماما وضعه الاجتماعي الفقير ،ونعرف أيضا أن المدرسة هي مصدر إشباعه ، وقناة تفاعله وتواصله .....
     تلك إحدى الذكريات معه التي خطفتني  في الإبان ، والتي اكتنزت عمق الذاكرة واستوطنت  ثناباها طيلة هذه المدة. 
وهو أمامي يزبد ويرغي أسدلت إحدى يدي على قفاي وارتكنت في صمت أتفحص جيدا حركاته، بينما سلام طوى ركبتيه نحو ذقنه المزغب ليسند مؤخرته أرضا....... زيزون كان يزداد ثورة ونحن ننظر إليه ، فيقذف الكيس مناوبة بكلتا رجليه وكأنه يسدد ركنيات أو ضربات خطأ في كرة القدم...... أنانية جزِعَة شكلت جميع تصرفاته ، بدا كطفل لم يتروض سلوكه بعد مع الوضعيات الحياتية المختلفة .

     اللحظة قد ابتعدت عنه شيئا ما، وبدون انتباه وجدتني شاردا أبرر تصرفاته تلك؛ أستجمع شتات ما قرأته حول اللغة والفكر وتلازمهما ، ودور كل منهما في تنمية الآخر ووووو..........وكيف للغة أن توجه سلوكه الإنساني ؟ وووو............. 
         وكم تمنيت حينئذ أن يستقيذ من دروس خاصة حتى يندمج كليا في المجتمع شأنه شأن أمثاله في دول أخرى..
    سرحت لهنيهة رفقة هاته الفلسفة الخاوية أهيم وبلاوي واقعنا وواقع ما نسميهم بالكفار، أستلذ بمقارنات الموجود واللا موجود عندنا وعندهم إلى أن  صحّاني  سؤال مارق: (انت نُوضْ تْكَعَّـدْ ) ــ أينه والدروس الخاصة؟؟؟.... إن كان الأسوياء ينقصهم الكثير،فما بالك بالأباكم ؟....   
      كنت وسلام في ارتباك ظاهر حين أشرت له بسؤال:لماذا كل هذا ؟ رد بهدوء مفرط،وكأنه مستأنس بالوضع:
   ـــ منذ أن دبّرت على هذه الكروسة  وهو هكذا معي.... 
                                                .............
    هكذا كانت تمر هذه المشاهد وبائع الإسمنت يسترجع تفاصيل ممات سلام ،حكى ثناء على تصرف زيزون ومرض سلام، فأدار بهذا البوصلة ب180 درجة عما شكله وجداني من تصورات مقيتة حول الإنسان الأصم بل دمر كل النعوت والأوصاف التي قرأتها في كتب علم النفس والاجتماع،نعم لقد أبان زيزون في حكي صاحب المحل  عن إنسانية بالغة ،حيث عايش مرضه، وتكفل بكل صغيرة وكبيرة  طيلة الفترة هاته حتى لقي  سلام حتفه،فكان أن استحق الكروسة إرثا  أوصى له  بها  .
     حملق زيزون هذه المرة في وجهي بخجل واحترام وعيناه فيهما رضى وعتاب، وحملقت بالمثل في تلك العينين المحمرتين ،وأسئلة تزّاور في حشوة الفكر لا يظهر لها جواب :هل الإنسان نزوات خير أم شر أم كلاهما؟هل العطاء دائما يقابله العطاء؟ هل الاستمراية وليدة التصرف الإنساني المحض أم التقابل هو المصير؟هل الصبر يستكين الثورة ويدحض الفوضى، أم  القناعة هي المسمار المثبت للهدوء؟
      مرة أخرى ، لوحت لمفتاح خزانة الأسرار لأنزع منه سؤالا آخر كان قد شطن فكري لمرات ...هل سلام  وهو يستقبلني كان يرسل ضحكات الازدراء على نفسه أم تلك سخرية سوداء يتمسرح بها على الوجع؟  هل رقصة الهيت لغة سياسية سلمية مؤثرة كانت تحرض على ابتسامة مبللة في العمق بالدموع، أم كان يُتلف بها مِيزِيرِيَة الوقت التي تركته عريانا دون غطاء  .............

أحمد ابويبس:09/12/2019

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قصةٌ مِنْ زَمنٍ مَضى..بقلم الاستاد الفنان عزيز بوعلام

..قصةٌ مِنْ زَمنٍ مَضى.. كنتُ كلَّ صباحٍ وأَنا متوجِّهٌ إلى المدرسةِ أمرُّ مِن أمامِ تلك الدارِ التي كانتْ غايةً في الأناقةِ وقد اصطفَّتِ ال...