كنتُ كلَّ صباحٍ وأَنا متوجِّهٌ إلى المدرسةِ أمرُّ مِن أمامِ تلك الدارِ التي كانتْ غايةً في الأناقةِ وقد اصطفَّتِ الورودُ والأزهارُ على جنباتِها..وفي ذلكَ الوقتِ الباكرِ كنتُ أرى الرجلَ المُفعَمَ بالشبابِ(فتّاح البوليسي) وسيجارةً شقراءَ في فمِهِ ونظاراتٍ سوداءَ على عَينَيهِ. وكانَ ذا وجهٍ أبيضَ ممتليءٍ وشارِبٍ أسْوَدَ زادَهُ جَمالاً..كالعادةِ كنتُ أراهُ يقومُ بتسخينِ سيارتِهِ..(R12)..ويمسَحُ زجاجَها وداخلَها مذياعٌ يبُثُّ أخبارَ وأَنشطةَ الصباحِ..وأمامَ البابِ تقِفُ زوجتُهُ الشابةُ بإبتسامتِها الجميلةِ التي لا تفارِقُها وشعرِها الكثيفِ الأسْوَدِ المُسْدَلِ على ظَهرِها بعنفوانِ الشبابِ وكأنّهَا كانتْ تساعدُهُ دومًا في شيءٍ قبْلَ إنطلاقِهِ للعملِ..
ونحنُ أطفالٌ صِغارٌ كنا نُجمِعُ على أنَّها تُشبِهُ المغنيةَ اللبنانيةَ(سميرة توفيق) لأنها كانتْ ذاتَ شامةٍ سوداءَ على خدِّها أوْ كأنها إِحدى المُمثلاتِ المِصرياتِ...نَذهبُ إلى المدرسةِ وكانتْ تلكَ الصورةُ لهذَينِ الزوجَينِ مَشهدًا نعيشُهُ كلَّ يومٍ...تَمرُّ سنواتٌ قليلةٌ..وفي أَحدِ الأيامِ ونحنُ نعودُ مِنَ المَدرسةِ رَأيْنا جمْعًا أمامَ المنزلِ الجميلِ..وبفضولِنا الصِّبْياني علِمْنا أنَّ فتاحَ قدْ مَضى إلى جوارِ ربِّهِ..أكملتُ الطريقَ وجاءَني صوتُ (الفْقيه فْالحَلْقة..إذا ماتَ ابنُ آدمَ وقَفَ على رؤوسِ المشيِّعينَ يقولُ: يا مَنْ سَكنْتُم دِيارَنا وَوَرِثْتمْ أمْوالَنا وَتزوَّجتم نساءَنا..كنَّا على ما أنتمْ عليهِ وسَبقْناكمْ إلى ما سَتصيرونَ إليهِ..) جرتْ دمعةٌ على خدِّي وأحْسَستُ ببراءةِ طفولتي أنَّ رُكْنًا جميلاً مِنَ الصورةِ الجميلةِ التي كانتْ ترافِقُني إلى المدرسةِ قد إنْهدَمَ...
..بعد أربعين سنةً...
في يومٍ من الأيامِ قادتْني قَدَمايَ إلى ذلكَ الطريقِ الذي كُنتْ أسلُكُهُ إلى المدرسةِ وأنا طِفلٌ..وبغيرِ إِذني خرجَ شريطُ ذكرياتِ (فتاح وزوجتِهِ الشابةِ الفاتنة)..وَوسطَ الذِّكرى وَجَدتُني أَمشي لِأُلقيَ نظرةً على ذلك المَنزِلِ..خَطواتٌ ثم خَطواتٌ ورأيتُ البابَ مَفتوحًا.. تقدمتُ وَ بلهفةٍ أَرسلْتُ بصري كالسَّهمِ لأَرى الشابةَ الفاتنةَ..وقدْ تعطلَتْ كلُّ حَواسِّي في فَهْمِ الزمانِ وكفرْتُ بكلِّ نظرياتِ إنشتاين في تأثيرِ الزمانِ فِينا..وكُنتُ في مُنتهى اليَقينِ أنِّي سَأراها كما كنتُ دومًا أراها..لا شيءَ تغيَّرَ..فها أنا أمْشي بنفسِ الطريقِ..وها هو المنزلُ نفسُهُ لمْ يتغيرْ..وها هو صوتُها وهي توَدِّعُ زوجَها لا يزالُ بأُذُني..تقدمتُ بإحساسٍ لا تصِفُهُ الكلماتُ وكأني أسيرُ نَحوَ المِشنقةِ...وفِعلاً رأيتُها...إمرأةٌ أَصبَحتْ عَجوزًا وكَساها المَشيبُ وجَلسَتْ في كُرسيٍّ مُتحرِّكٍ لتستدفيءَ بدفءِ الشمسِ...أَحسستُ كأنَّ كلَّ الزمانِ لمْ يتعدَّ كونَهُ دقائقَ معدودةً..رفَعْتَ صورةَ شابةٍ ووَضعْتَ مكانَها صُورةَ عجوزٍ وبسرعةِ الضوءِ..
أَكملتُ المَسيرَ وإغرَورقَتْ عَيْنايَ بالدموعِ.. ليسَ لأجلِ الزوجةِ التي كانتْ شابةً ولَكنْ حينَ قالَ لي صوتٌ مِنْ داخِلي.. ما أَقْصرَ عُمُرَكَ أيُّها الإِنسانُ...
..بقلم عزيز بوعلام..






