الثلاثاء، 26 نوفمبر 2019

"بقلم محمد نخال "

من أروع روائع ما قرأت للمبدع الرائع محمد نخال هذا اليوم. ربان لغة عربية مقهورة في بحر تهدهدها أمواج العبث اللغوي في زمننا الأغبر . بورك إبداعك سيدي ٠
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
قُلوبٌ فارغَة هَواء
      نَسْترِقُ قَشَّة سَعادة من بيْن أكْوام التَّعاسة، ونقْتلِع طُوْبَة أمل من بين جبال اليَأس، لِنُشَيِّدَ أكْواخ أحلامنا على أنْقاضِ اليَقَظَة، قبل أن تسْقُط عليْنا جلامِيد القَدر، لتطْمِرَنا في لحْدٍ أبَدَي. 
تسِيرُ بنا الأيام نحو غُروب شاحِب ونحن فاغِرين أفْواهنا من جَمال حُمْرة زائِلة، لِنَتَفاجَأ بعْد زَوال الشّمس، أننا وسَط ظلام دامِس. 
نتَحسَّسُ طريقنا بِفَوانِيسَ نَفَذَ زيْتُها، وتَحَوَّل فَتِيلُها إلى رماد، تائِهين لا نَلْوي على شيء، تكْثُر عثَراتُنا وتتَوالى سَقَطاتنا في ترْعَة الفَشل. 
نفْرح ونتَهلَّل في شبَابنا لبُشْرى مسْتقبل زاهِر ينتَظرنا، نعيشُ فيه على مهْد التَّرَف، مُحاولين ضَبْط عقارب الدّهْر على هَوانا، نُعاقِر كؤوس الفَرحة، فتَغْمُرها أطياف بهجة مُزيَّفة، تلهُو بعقولنا نشْوة الآمال الزّاهية، فنتَراقَصُ على أنغام دقات قلوبنا المُفْعمة بالحيَوية الزائدة. 
نرتَدي عباءة مَوْشُومة بأكاليل التَّقْوى، وضميرنا الميّت أصبح الكاهن الأعظم في سَنِّ قوانين العَبَث، التي تتَحَكّم في رقابنا، وتقُودنا في رحلة طويلة نحو فجْوة أمل، نعتقد أنها قد تظهر في آخر نفَق العمر. 
يزدادُ طمُوحنا ويكبر، ونتمنى لو أن لذينا قوة شَمْشُون الجَبّار، لِنَفْتِك بكل المسالك الوَعْرة حتى نصِلَ في لَمْح البَصر إلى نهاية النّفَق، وما بَرِحْنا نردِّدُ كلام الحُكماء في قهْر النّفس وكبْثِ جِماح الأهْواء: "من سار على الدّرْب وصَل" قبْل أن نكتَشِف أننا أسْرَى المادة الزّائِفة، وما نحن إلا ألْعُوبَة في يد الأقْدار، تلْهو بنا كيف تشاء. 
تكْبُر مَحبّة الحياة في قُلوبنا، ويَمُوتُ شَغَف الآخرة فينا، ونحن مُصِرُّون على تَرْديد الحِكمة ترْدِيدَ بَبْغَوات بَلْهاء. 
تَسْتَكِينُ أرْواحُنا في عالم خُلود مُزَيّف، لتنْكسِر أحلامنا على صخرة القنُوط والجُحود. 
نبْحثُ عن كفّارة لخطأ جَسيم، نتَوَهَّم أنه غير مقْصود، نَرْجو الصَّفْح ولا نتُوب، نُردِّدُ تسابيح الغُفْران بأفواه مَكمُومة، وأيادينا تبْطِشُ بالمحبة فينا. 
نسِيرُ نحو المجْهول بأفْئِدة جوْفاء، ننْتظر فيْضَ نور يُشْرق في صباح الحَقيقة، ليُنِير العَتَمَة القابِعة في دواخلنا، ويُكسِّر جُنْحَ الظلام الجاثِم على رِقاب أفئدتنا. 
نُطِلُّ من على أكَمَة عُمْرنا، فتَبدو أحلامنا وقد غَدَتْ سرابا، فنُدْرِك أن الظُّلمة بَدَّدَتْ نور أمانِينا، نَرْتَعِبُ، نَلْتَفِتُ وراءنا فلا نَرى غيْر أطلال بالية صَدمَتْها السِّنين، وهي كل ما تبَقَّى من أعْمال أنْفَقْنا عمرنا، وبَدَلْنا جُهدنا في عِمارتها، وأن فتاة أوْهامنا المَسْدُولة الشَّعْر الغَجري، بشَفتيْن أبْهى من تفتُّح الياسمين في نيسان، والتي ظلَلْنا عاكِفين أمام ثمثالها في مِحْراب العِشْق، قد طاف عليها طائِف من العمر فغَدَتْ عَجوزا شَمْطاء، قَوَّس الدّهْر ظهْرها ولَوَتِ الأيّام والليالي الخَوالي كَفَّها على العَصَا (هرَّمَتْها)، تبْتَسِمُ ابتسامةً بلهاء بفمٍ أدْرَد، تُطِلُّ من بين ثَناياه أشْلاء أنْياب فَقَدَتْ بَريقَها ولمَعانها بيْن شفتَيْن مُتشَقِّقَتَين تشَقُّقَ أرضٍ خلاءَ جَرْداء، لم يَزُرْها الغيْثُ رَدْحا من الزّمن.
حكايتُنا في هذه الحياة حكاية عَجيبة، ما حكَتْها الجَدّات على مسْمَع الأحْفاد، ولا دوَّنَتْها أقلام النُّجَباء، وإنما رَواها الدّهْر بدُموع الحُكماء، وما استوْعَبَتْها الآذان الصّماء، نُدْمِنُ على مُشاهدة حَلقاتها يوميا ونحْن تائِهُون، نرقُصُ على نغمات موسِيقاها التَّصْويرية رقْصَةَ البَلْهاءِ في حفْل تأبِين، قبْل أن تحْصدنا مَناجِل المَنايا، ونحْن في غفْلة، وقُلوبُنا فارِغَة هَواء.  "بقلم محمد نخال "

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قصةٌ مِنْ زَمنٍ مَضى..بقلم الاستاد الفنان عزيز بوعلام

..قصةٌ مِنْ زَمنٍ مَضى.. كنتُ كلَّ صباحٍ وأَنا متوجِّهٌ إلى المدرسةِ أمرُّ مِن أمامِ تلك الدارِ التي كانتْ غايةً في الأناقةِ وقد اصطفَّتِ ال...